التاريخ الأساسى للصهيونية و علاقتها باليهودية (2)
كتبهاأحمد زكى ، في 20 يناير 2009 الساعة: 09:22 ص
نشأة الحركة الصهيونية:
ظهرت أوائل الجماعات الصهيونية مبكرا فى سبعينيات القرن التاسع عشر، و قد كانوا يطلقون على أنفسهم محبى صهيون، بدأت هذه الجماعات فى الاستيطان فى فلسطين فى نفس الوقت، ثم تلا ذلك هجرات متزايدة من اليهود بعد مذابح روسيا عامى 1881 و 1882 . هؤلاء المستوطنون ميزوا أنفسهم عن كتلة السكان المحليين و ذلك بالفصل المتعمد عنهم، و قد أظهروا ازدراءهم بالعادات و التقاليد المحلية. هذا الفصل و الازدراء أثار شكوكا و كذلك نوعا من العداء من قبل السكان الأصليين تجاههم. و الواقع أن سلوك المستوطنين كان مبنيا بالأساس على شعور بالاستعلاء ناشىء عن سببين: الأول هو اعتقاد لدى الأوروبيين بصفة عامة بأن المجتمعات الأوروبية هى الوحيدة المتقدمة و المتحضرة، و هو نمط اجتماعى استعمارى كان ينظر للسكان المحليين نظرة دونية تصل الى حد التجاهل.. السبب الثانى خاص باليهود، فهم يعتقدون أنفسهم طائفة تعلوا الجميع و أن الأغيار هم من الطوائف الدنيا، هذا الاعتقاد الغريزى بالتفوق اليهودى له جذور تاريخية فى الفكر الدينى اليهودى، يقع فى مركزه اعتقاد بأنهم شعب الله المختار. و قد كان موسى ابن ميمون أحد دعاة هذه النظرية، بل و اشترك معه فى هذا الاعتقاد كثير من المفكرين ذوى الرؤية الأكثر انسانية من أمثال سبينوزا.. لقد كانت الأفكار المقبولة لدى المجتمعات الدينية تركز على أن اليهود، تحت أى ظرف، لا ينبغى لهم الاختلاط بالأغيار خوفا من تلوث دماء اليهود أو افسادهم.. تلك الفكرة كانت و مازالت مغروسة بعمق فى نفوس اليهود.. و على الرغم من ان بعض اليهود قد تعلموا و انضموا الى الحركات التنويرية تاركين الأفكار القديمة الا أن هذه الفكرة بالتحديد ظلت راسخة فى اللاوعى.. و هكذا نقل المستوطنون الأوائل الى فلسطين أفكارهم القديمة عن الفصل العنصرى عن الأغيار.. و يضاف الى ذلك الاعتقاد بسمو العمل اليدوى و خاصة التنمية الزراعية، و قد تأثروا فى هذا بكتابات تولستوى.
يعتبر ثيودور هرتزل هو الأب الفعلى للصهيونية السياسية، و قد انحدر من منظور مختلف تماما.. فالدكتور هرتزل صحفى نمساوى من فيينا، متحرر و علمانى، أرسله رئيس التحرير الى فرنسا سنه 1894 لتغطية ما عرف بمسألة دريفوس. و دريفوس هذا كان ضابطا فى الجيش الفرنسى و اِتُهِم زورا ثم أُدين بالخيانة ( تم الغاء هذه التهمة تماما و بُرّىء بعد عدة سنوات ). هذه القضية وضعت تحت الأضواء اتجاها قويا، معاد للسامية، داخل الأوساط العليا لضباط الجيش الفرنسى و فى الصحافة الفرنسية أيضا.. و قد كان لهذه النزعة اللاسامية صدىََ عميقا فى الدوائر اليهودية التى تحررت من القيود مؤخرا. الأمر المؤكد أن هرتزل شخصيا و بعد فترة قصيرة يأس من فكرة العتق و التكامل اليهودى داخل المجتمعات، و شعر ان الحل الوحيد لمسألة معاداة السامية يكمن فى فكرة الوطن اليهودى. و لهذا الغرض فقد اتصل بمختلف الديبلوماسيين و الشخصيات البارزة، و من ضمنهم السلطان العثمانى، و لكن بالدرجة الأولى كان اتصاله بالنخب الحاكمة فى أوروبا، حيث القوى الاستعمارية الكبرى فى ذلك الوقت. و قد تكللت جهوده بعرض بريطانى يقترح الأرجنتين أو اوغندا كوطن محتمل لليهود.. الحقيقة أن هرتزل فى البداية كان يبدو راضيا بأى من البلدين وطنا لليهود، و لكن عند عقد المؤتمر الصهيونى الأول فى بازل عام 1897، فقد وقف فى مواجهة مع يهود أوروبا الشرقية، و قد كانوا يمثلون الأغلبية فى هذا المؤتمر، هذا بالأضافة الى كونهم من جماعات التنوير المتحررة حديثا فى أوروبا.. هؤلاء لم يكونوا ليقبلوا بغير فلسطين كوطن لهم، و قد كانوا يطلقون عليها "أرض صهيون" ، و بعض منهم كان قد استوطن بالفعل فى فلسطين، ليس هذا فحسب، بل ان الأفكار الدينية الانفعالية كانت تركز على مسألة الحج الى القدس ووجوب الموت و الدفن فى الآرض المقدسة.. يلاحظ أنه فى احتفال عيد الفصح كان آخر الأنخاب يقال فيه: "العام القادم فى القدس" ؛ و بالرغم من أن هذه الأفكار كانت أفكارا دينية أكثر منها طموحا قوميا، الا أن المجتمعات الأورثوذوكسية كانت معتادة على شراء حفنة من تربة القدس لوضعها تحت رأس أى يهودى يموت و يدفن بعيدا عن القدس. ( يجب التنويه الى أن اليهود الأورثوذوكس فى هذا الوقت كانوا يعارضون قيام أى حركات يهودية سياسية و لم يحضروا هذا المؤتمر).
كان هرتزل سريعا فى تبين أنه اذا لم يقبل "أرض صهيون" أى فلسطين فانه لم يكن ليضم اليه أى مؤيدين. و على ذلك فان الحركة الصهيونية بدأت بقطاع صغير من المجتمع اليهودى كان يرى أن حل مسألة معاداة السامية يكمن فى العودة الى "الجذور" و اعادة توطين اليهود فى ارض أجدادهم.. و فى كتبه الشهير "الدولة اليهودية" كتب هرتزل، ان اليهود و دولتهم سوف يُنشئون حصنا لأوروبا فى مواجهة آسيا، أو حصنا للمدنية فى مواجهة البربرية، و مرة أخرى أشار للسكان الأصليين قائلا: "سوف نسعى لحث السكان الفقراء المنكوبين لعبور الحدود و تأمين العمل لهم فى البلاد التى يعبرونها، بينما نمنعهم من العمل فى بلدنا. و يجب أن نقوم بأعمال نزع الملكية و الاقتلاع بتروى و بشكل متعقل– و لندع ملاّك الأراضى يبيعونها لنا بأسعار باهظة، و لن نبيع لهم شىء بالمقابل".
هناك مسألة هامة يجب ملاحظتها، فان ماكس نوردو، و هو أحد الصهاينة الأوائل، قد زار فلسطين، و انزعج بشدة من أن فلسطين كانت مسكونة بالفعل، و قد انفجر غاضبا فى وجه هرتزل و قال له: " و لكننا نقترف ظلما بينا ". و بعد ذلك بعدة سنوات فان مفكرا و كاتبا صهيونيا بارزا مثل أحد هاآم ( اسمه يعنى واحد من الناس) قال: "ماذا يفعل اخواننا؟ لقد كانوا عبيدا فى بلاد المنفى و فجأة وجدوا أنفسهم يواجهون حرية بلا حدود.. و قد سلكوا سلوكا عدائيا ووحشيا فى مواجهة العرب، و قد داسوا على حقوقهم بدون أى مبرر.. بل انهم تفاخروا بما فعلوا". و لكن فزع نوردو و آخرين فى مواجهة الظلم و التجاهل التام للسكان الأصليين قد سُكِت عنه و بالتأكيد قد شُطِب من التاريخ اليهودى و باقى الكتب، و قد تم هذا مع بعض كتابات هرتزل الأولى. أما الذى ساد فكان شعار "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، و فى خلال بضع سنوات أصبح المهاجرون هم "أبناء الأرض" (بناى هاأريتز) بينما أصبح السكان الأصليون غرباء و أجانب.
بعد وفاة هرتزل سنة 1904 أعيدت من جديد الجهود و محاولات كسب التأييد و كان ثمرة هذه الجهود صدور وعد بلفور سنة 1917، و الذى منح الصهاينة وطنا يهوديا فى فلسطين واضعا اطارا رسميا لتطلعاتهم. و فى مقابل هذا فقد تم تجاهل اعتراضات و احتجاجات قادة فلسطين من العرب. حتى أن اللورد بلفور كتب سنة 1919 قائلا: " نحن حتى لا نعتزم استشارة السكان الأصليين للبلاد، فالحاجات العاجلة للصهاينة و آمالهم فى المستقبل أهم بكثير من رغبات و تحيزات ال 700,000 عربى الذين يقطنون فلسطين الآن".
فى البداية و لفترة طويلة من الزمن، فان نمو المستوطنات سار ببطء نوعا ما، و لكن عملية الشراء الممنهجة للأراضى، و التى كانت أحيانا كثيرة تتم مع الملاك الغائبين، تركت المزاعين المستأجرين بلا مأوى، مما أسهم فى قيام الانتفاضة الفلسطينية الأولى سنة 1921-1922، و تلاها اندلاع بعض أعمال العنف. أسوأ تلك الأعمال كان مذبحة لحوالى 65 من اليهود فى الخليل سنة 1929، و التى كان سببها أن يهود أوروبا الشرقية الأورثوذوكس قد أقاموا مركزا للدراسات الدينية ( يشيفا) فى المدينة مما أثار الشكوك و العداء بين فى أوساط السكان المحليين تجاه اليهود.. يجب ملاحظة أن العرب و اليهود غير الأوروبيين قد أقاموا لمئات السنين فى هذه الأرض فى سلام و تجانس.. و يضاف لهذا السبب سببا آخر و هو ان السياسات الصهيونية كانت مبنية على أساس عدم تشغيل العرب و عدم شراء منتجاتهم.يجب الاشارة الى أن الصهيونية، فى فلسطين، ظلت أقلية لسنوات طويلة، مكونة أساسا من يهود أوروبا الشرقية، و لم ينضم للحركة الصهيونية فى البداية مجمل المؤسسة الدينية، ومعظم يهود وسط و غرب أوروبا، و كل اليهود غير الأوروبين، و الذين كانوا جميعا خارج نطاق تأثير هرتزل و مجموعته و كانوا فى نفس الوقت يشكلون غالبيتنا.. هذه الجماعات اليهودية التى ذكرتها تم تجاهلها بالكامل من قِبَل الصهاينة الأوائل و لم تكن تطلعاتهم تمثل شيئا لهم، و قد استمر هذا حتى تأسيس دولة اسرائيل بعد حرب التحرير سنة 1948-1949…. بعد هذا التاريخ فان الدولة الجديدة أطلقت العنان لحمله دعائية مكثفة لحث يهود السفارديم و اليهود الشرقيين على "الصعود" الى أرض أجدادهم، و كان هذا بالأساس لأسباب ديموجرافية و لاستخدامهم كوقود للحرب — فى سنة 1948 كان ثلث السكان فقط من اليهود و حوالى 6% من الأراضى فى أيدى اليهود — حدث هذا أيضا سنة 1980 و ما تلاها بالنسبة ليهود أثيوبيا. و عموما فان هؤلاء اليهود، من أصول غير أوروبية، حينما أتوا الى اسرائيل عوملوا بطريقة دونية كمواطنين من الدرجة الثانية. و الواقع أن هذه الهيمنة الأوروبية مازالت سائدة فى اسرائيل الحديثة، و كمثال على ذلك فان النشيد القومى الاسرائيلى يتحدث عن حنين يهودى الى صهيون فى اتجاه الشرق، بينما فلسطين تقع فى الغرب بالنسبة لباقى اليهود غير الأوروبيين.. و نقرر هنا انه من المحزن أن هذا قاد كثيرا من جماعات اليهود السفارديم ( غير الأوروبيين) و اليهود الشرقيين الى أن يتحولوا الى الجماعات الشوفينية لجناح اليمين المتطرف و ذلك لاثبات اعتمادهم كمواطنين.
بارتقاء هتلر للحكم فى ألمانيا بدأت الهجرة ( يطلق على الهجرة فى المصطلحات الصهيونية لفظ "الصعود" ) تأخذ منحىََ َ جديدا فقد زادت معدلاتها زيادة ملحوظة، و الحقيقة أن هتلر قد أعلن صراحة تعاطفه مع الصهيونية، كما فعل غيره من اليمينيين المعادين للسامية. و بدأت أعداد المستوطنات فى الزيادة بشكل مطّّرد مما أدى الى انتفاضات فلسطينية طويلة و مريرة ما بين سنتى 1936 و 1939، و قد قامت سلطات الانتداب البريطانية بسحق هذه الانتفاضات، و مع نهاية الحرب العالمية الثانية و اقامة دولة اسرائيل سنة 1948 بدأت الصهيونية فى كسب عقول و قلوب غالبية المجتمع اليهودى. و منذ ذلك التاريخ بدأنا نشهد علامات التلاقى الحاشد المدروس بين اليهودية و الصهيونية لدرجة أننا فى هذه الأيام نلاحظ بوضوح أن اليهودى الذى يجرؤ على نقد دولة اسرائيل، ناهيك عن الصهيونية، يتهم فورا بالخيانة و كره الذات.
فى رأيى، هذا التطور الذى حدث كان أمرا حتميا، واضعين فى الاعتبار الفكرة المسبقة عن دولة خالصة لليهود… فهل يمكننا تصور فرنسا خالصة للفرنسيين؟ أو انجلترا خالصة للانجليز؟ ( الا طبعا اذا كنا منتمون للجبهة القومية أو الجماعات المشابهة) .. ففى عالم مابعد الاستعمار تلك الفكرة غير مقبولة تماما بل و سخيفة.. و الآن كيف يمكن لاسرائيل و غالبية سكانها تبرير ادعاءهم بهذه الدولة و فى نفس الوقت يقتنعوا و يقنعوا غيرهم أن تلك الدولة حديثة و ديموقراطية؟؟ .. و هنا يكون الملجأ الأخير، عندما تسقط كل التبريرات، هو أن الله قد وعد شعبه المختار، الذين هم نحن، بهذه الأرض.. و هذا يطرح سؤالا هاما: أين يوضع اليهودى الملحد من خلال هذا الافتراض؟؟ ..
لقد اكتشفت عبر السنين، و بالخصوص فى الثلاثين سنة الماضية أو نحو ذلك، أن أعداد الشباب الذين يرتدون القبعة اليهودية و يتّبعون، على ألأقل، بعض القوانين الدينية اليهودية، فى ازدياد شديد، و انا أعتقد أن هذا لم يحدث بالمصادفة…
الحقيقة أن المؤسسة الدينية سارت فى نفس الطريق، و بالتأكيد فانها قد استفادت من ذلك. و منذ خمسينيات القرن الماضى فانه حدث تغير ملحوظ، و مخيف فى نفس الوقت، فى أوساط اليهود الأورثوذوكس مما أدى الى تأسيس جماعة "جوش ايمونيم" ( كتلة المؤمنين) ، التى أسسها الحاخام تسفاى ايهودا كوك الأصغر. و هى احدى الجماعات الأصولية التى تعتقد فى وجوب تأسيس دولة اسرائيل و تكافح من أجل جعلها يهودية خالصة… يلاحظ أنه قبل هذا الوقت لم تكن جماعة اليهود الأورثوذوكس تلعب دورا هاما فى الحياة السياسية فى اسرائيل باستثناء الضغط على الحكومات المتعاقبة فى اتجاه اصدار القوانين التى تنبع من الشريعة اليهودية… أما جماعة ناتورى كارتا (عديمى الأرض) الأورثوذوكسية المتطرفة فانها لم تعترف مطلقا بدولة اسرائيل، و أعضاء هذه الجماعة مُعفَون من الخدمة العسكرية..
على الرغم من أن جماعة "جوش ايمونيم" قليلة العدد، الا أن تأثيرها على القرار السياسى كبيرا بدرجة لا تتناسب مع حجمها، و يبدو هذا واضحا فى تلبية الحكومات المتعاقبة لطموحات هذه الجماعة، و يحدث هذا غالبا بطريقة خفية و أحياتا معلنة.
و قد خصصت وحدات خاصة فى الجيش الاسرائيلى لأتباع تلك الجماعة ليتمكن أفرادها من اقامة شعائرهم الدينية و طقوسهم بكل تفاصيلها ( هذا على الرغم من ان كل الوجبات الغذائية، بصفة عامة، التى تقدم فى وحدات الجيش العادية هى وجبات الكوشير اليهودية، و كذلك فان طقوس السبت تنفذ كلما أمكن ذلك)، و من المعلوم عن هذه الجماعة، و هو مسكوت عنه مما يعنى قبوله، أنهم يمتنعون عن اسعاف الجرحى أو حتى نقلهم يوم السبت مالم يكونوا يهودا.
من وجهة نظرى ان سلوك هذا الطريق يمثل خطورة و قصر نظر لأنه يقود فى النهاية الى أصولية دينية تشابه تلك التى لجماعة طالبان فى أفغانستان… يعتقد الأصوليون أن الزمن اليهودى المسيحى قد حل علينا بالفعل، و ان أى معوقات لازالة كل ماهو غير يهودى من الأرض الموعودة لنا، و يشمل هذا ما كان يسمى فلسطين متضمنة الجبل المقدس، هذه المعوقات هى عقاب من الرب لليهود المذنبين، بالتحديد هؤلاء المتغربون و العلمانيون… هذا يُبَرىء تماما، بل و بالتأكيد، يقدس شخص كباروخ جولدشتين الذى قتل 29 فلسطينيا بينما كانوا يؤدون الصلاة فى المسجد الابراهيمى، و يدخل فى نفس النطاق عملية قتل اسحق رابين. و يدخل فى نفس الاطار أيضا حركة حماس التى شجعتها المخابرات الاسرائيلية فى البداية، و لكنها تمثل الآن جنّيا آخر لا يمكن التحكم فيه بعد تحريرة من القنينة* .
الواقع الآن أن الصهيونية قد اكتسبت غطاء العفة و الأحقية بأن تمثل كل اليهود و تتحدث باسمهم، و اعتنقت شعار "مع بلدى فى الحق و الباطل". أما الغرب فانه يقبل من اسرائيل كل الخروقات المستمرة لحقوق الانسان و التى لم تكن لتقبل لو أن أى دولة أخرى قامت بها. و قليل جدا من الدول الغربية أو من اليهود الذى يغامر بالوقوف فى وجه اسرائيل، خصوصا أن الكثير منهم مازال يشعر بعقدة الذنب تجاه المحرقة اليهودية (الهولوكوست) ، و التى استثمرها اليهود الصهاينة داخل و خارج اسرائيل ببراعة.. و أنا أنظر لهذا الموضوع كسلوك دنىء و شائن.. أما فى الولايات المتحدة على وجه الخصوص فان اللوبى الصهيونى مازال قويا بدرجة تجعله محتفظا بأى من اداراتها المتعاقبة مؤيدا للصهيونية بطريقة مطلقة. علاوة على ذلك فان الولايات المتحدة تعتبر اسرائيل حليفا فى حربها ضد دول الشرق الأوسط "المارقة" و التى حلت محل الاتحاد السوفييتى كعدو شيطانى للعالم الحر.
فى النهاية أود أن أقول أنى أخشى أنه مالم يتم التعامل مع اسرائيل بنفس المعايير التى تعامل بها باقى الدول، و حتى يحدث هذا، فان الوضع سيبقى كما هو و ليس من المحتمل أن يتغير… و أنا أرى أن الواجب الأساسى الآن لليهود، الذين مازال لديهم احساس بمنظور العدالة و الضمير، أن يقفوا فى وجه تزييف التاريخ الذى تم بمعرفة اللوبى الصهيونى، و الذى أدى بالغرب الى قبول التداعيات الخطيرة لتلك الأوهام…. * مسألة تأييد المخابرات الاسرائيلية لحماس فى البداية كنوع من شق الصف الفلسطينى، رأى مطروح على الساحة السياسية و فى الأدبيات الاسرائيلية منذ فترة… و قد طرح رأى مشابه لذلك فيما يخص جماعة الاخوان المسلمين عند نشأتها و تأييد سلطات الاحتلال البريطانى لها… و للأسف فان بعض الكتاب العرب قد تبنوا نفس الفكرة.. و أنا لا أستطيع قبول أى من الطرحين على علاته.. و أرى أنه يدخل فى اطار تشويه الجماعات المقاومة بصفة عامة.. ( المدون )
ظهرت أوائل الجماعات الصهيونية مبكرا فى سبعينيات القرن التاسع عشر، و قد كانوا يطلقون على أنفسهم محبى صهيون، بدأت هذه الجماعات فى الاستيطان فى فلسطين فى نفس الوقت، ثم تلا ذلك هجرات متزايدة من اليهود بعد مذابح روسيا عامى 1881 و 1882 . هؤلاء المستوطنون ميزوا أنفسهم عن كتلة السكان المحليين و ذلك بالفصل المتعمد عنهم، و قد أظهروا ازدراءهم بالعادات و التقاليد المحلية. هذا الفصل و الازدراء أثار شكوكا و كذلك نوعا من العداء من قبل السكان الأصليين تجاههم. و الواقع أن سلوك المستوطنين كان مبنيا بالأساس على شعور بالاستعلاء ناشىء عن سببين: الأول هو اعتقاد لدى الأوروبيين بصفة عامة بأن المجتمعات الأوروبية هى الوحيدة المتقدمة و المتحضرة، و هو نمط اجتماعى استعمارى كان ينظر للسكان المحليين نظرة دونية تصل الى حد التجاهل.. السبب الثانى خاص باليهود، فهم يعتقدون أنفسهم طائفة تعلوا الجميع و أن الأغيار هم من الطوائف الدنيا، هذا الاعتقاد الغريزى بالتفوق اليهودى له جذور تاريخية فى الفكر الدينى اليهودى، يقع فى مركزه اعتقاد بأنهم شعب الله المختار. و قد كان موسى ابن ميمون أحد دعاة هذه النظرية، بل و اشترك معه فى هذا الاعتقاد كثير من المفكرين ذوى الرؤية الأكثر انسانية من أمثال سبينوزا.. لقد كانت الأفكار المقبولة لدى المجتمعات الدينية تركز على أن اليهود، تحت أى ظرف، لا ينبغى لهم الاختلاط بالأغيار خوفا من تلوث دماء اليهود أو افسادهم.. تلك الفكرة كانت و مازالت مغروسة بعمق فى نفوس اليهود.. و على الرغم من ان بعض اليهود قد تعلموا و انضموا الى الحركات التنويرية تاركين الأفكار القديمة الا أن هذه الفكرة بالتحديد ظلت راسخة فى اللاوعى.. و هكذا نقل المستوطنون الأوائل الى فلسطين أفكارهم القديمة عن الفصل العنصرى عن الأغيار.. و يضاف الى ذلك الاعتقاد بسمو العمل اليدوى و خاصة التنمية الزراعية، و قد تأثروا فى هذا بكتابات تولستوى.
يعتبر ثيودور هرتزل هو الأب الفعلى للصهيونية السياسية، و قد انحدر من منظور مختلف تماما.. فالدكتور هرتزل صحفى نمساوى من فيينا، متحرر و علمانى، أرسله رئيس التحرير الى فرنسا سنه 1894 لتغطية ما عرف بمسألة دريفوس. و دريفوس هذا كان ضابطا فى الجيش الفرنسى و اِتُهِم زورا ثم أُدين بالخيانة ( تم الغاء هذه التهمة تماما و بُرّىء بعد عدة سنوات ). هذه القضية وضعت تحت الأضواء اتجاها قويا، معاد للسامية، داخل الأوساط العليا لضباط الجيش الفرنسى و فى الصحافة الفرنسية أيضا.. و قد كان لهذه النزعة اللاسامية صدىََ عميقا فى الدوائر اليهودية التى تحررت من القيود مؤخرا. الأمر المؤكد أن هرتزل شخصيا و بعد فترة قصيرة يأس من فكرة العتق و التكامل اليهودى داخل المجتمعات، و شعر ان الحل الوحيد لمسألة معاداة السامية يكمن فى فكرة الوطن اليهودى. و لهذا الغرض فقد اتصل بمختلف الديبلوماسيين و الشخصيات البارزة، و من ضمنهم السلطان العثمانى، و لكن بالدرجة الأولى كان اتصاله بالنخب الحاكمة فى أوروبا، حيث القوى الاستعمارية الكبرى فى ذلك الوقت. و قد تكللت جهوده بعرض بريطانى يقترح الأرجنتين أو اوغندا كوطن محتمل لليهود.. الحقيقة أن هرتزل فى البداية كان يبدو راضيا بأى من البلدين وطنا لليهود، و لكن عند عقد المؤتمر الصهيونى الأول فى بازل عام 1897، فقد وقف فى مواجهة مع يهود أوروبا الشرقية، و قد كانوا يمثلون الأغلبية فى هذا المؤتمر، هذا بالأضافة الى كونهم من جماعات التنوير المتحررة حديثا فى أوروبا.. هؤلاء لم يكونوا ليقبلوا بغير فلسطين كوطن لهم، و قد كانوا يطلقون عليها "أرض صهيون" ، و بعض منهم كان قد استوطن بالفعل فى فلسطين، ليس هذا فحسب، بل ان الأفكار الدينية الانفعالية كانت تركز على مسألة الحج الى القدس ووجوب الموت و الدفن فى الآرض المقدسة.. يلاحظ أنه فى احتفال عيد الفصح كان آخر الأنخاب يقال فيه: "العام القادم فى القدس" ؛ و بالرغم من أن هذه الأفكار كانت أفكارا دينية أكثر منها طموحا قوميا، الا أن المجتمعات الأورثوذوكسية كانت معتادة على شراء حفنة من تربة القدس لوضعها تحت رأس أى يهودى يموت و يدفن بعيدا عن القدس. ( يجب التنويه الى أن اليهود الأورثوذوكس فى هذا الوقت كانوا يعارضون قيام أى حركات يهودية سياسية و لم يحضروا هذا المؤتمر).
كان هرتزل سريعا فى تبين أنه اذا لم يقبل "أرض صهيون" أى فلسطين فانه لم يكن ليضم اليه أى مؤيدين. و على ذلك فان الحركة الصهيونية بدأت بقطاع صغير من المجتمع اليهودى كان يرى أن حل مسألة معاداة السامية يكمن فى العودة الى "الجذور" و اعادة توطين اليهود فى ارض أجدادهم.. و فى كتبه الشهير "الدولة اليهودية" كتب هرتزل، ان اليهود و دولتهم سوف يُنشئون حصنا لأوروبا فى مواجهة آسيا، أو حصنا للمدنية فى مواجهة البربرية، و مرة أخرى أشار للسكان الأصليين قائلا: "سوف نسعى لحث السكان الفقراء المنكوبين لعبور الحدود و تأمين العمل لهم فى البلاد التى يعبرونها، بينما نمنعهم من العمل فى بلدنا. و يجب أن نقوم بأعمال نزع الملكية و الاقتلاع بتروى و بشكل متعقل– و لندع ملاّك الأراضى يبيعونها لنا بأسعار باهظة، و لن نبيع لهم شىء بالمقابل".
هناك مسألة هامة يجب ملاحظتها، فان ماكس نوردو، و هو أحد الصهاينة الأوائل، قد زار فلسطين، و انزعج بشدة من أن فلسطين كانت مسكونة بالفعل، و قد انفجر غاضبا فى وجه هرتزل و قال له: " و لكننا نقترف ظلما بينا ". و بعد ذلك بعدة سنوات فان مفكرا و كاتبا صهيونيا بارزا مثل أحد هاآم ( اسمه يعنى واحد من الناس) قال: "ماذا يفعل اخواننا؟ لقد كانوا عبيدا فى بلاد المنفى و فجأة وجدوا أنفسهم يواجهون حرية بلا حدود.. و قد سلكوا سلوكا عدائيا ووحشيا فى مواجهة العرب، و قد داسوا على حقوقهم بدون أى مبرر.. بل انهم تفاخروا بما فعلوا". و لكن فزع نوردو و آخرين فى مواجهة الظلم و التجاهل التام للسكان الأصليين قد سُكِت عنه و بالتأكيد قد شُطِب من التاريخ اليهودى و باقى الكتب، و قد تم هذا مع بعض كتابات هرتزل الأولى. أما الذى ساد فكان شعار "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، و فى خلال بضع سنوات أصبح المهاجرون هم "أبناء الأرض" (بناى هاأريتز) بينما أصبح السكان الأصليون غرباء و أجانب.
بعد وفاة هرتزل سنة 1904 أعيدت من جديد الجهود و محاولات كسب التأييد و كان ثمرة هذه الجهود صدور وعد بلفور سنة 1917، و الذى منح الصهاينة وطنا يهوديا فى فلسطين واضعا اطارا رسميا لتطلعاتهم. و فى مقابل هذا فقد تم تجاهل اعتراضات و احتجاجات قادة فلسطين من العرب. حتى أن اللورد بلفور كتب سنة 1919 قائلا: " نحن حتى لا نعتزم استشارة السكان الأصليين للبلاد، فالحاجات العاجلة للصهاينة و آمالهم فى المستقبل أهم بكثير من رغبات و تحيزات ال 700,000 عربى الذين يقطنون فلسطين الآن".
فى البداية و لفترة طويلة من الزمن، فان نمو المستوطنات سار ببطء نوعا ما، و لكن عملية الشراء الممنهجة للأراضى، و التى كانت أحيانا كثيرة تتم مع الملاك الغائبين، تركت المزاعين المستأجرين بلا مأوى، مما أسهم فى قيام الانتفاضة الفلسطينية الأولى سنة 1921-1922، و تلاها اندلاع بعض أعمال العنف. أسوأ تلك الأعمال كان مذبحة لحوالى 65 من اليهود فى الخليل سنة 1929، و التى كان سببها أن يهود أوروبا الشرقية الأورثوذوكس قد أقاموا مركزا للدراسات الدينية ( يشيفا) فى المدينة مما أثار الشكوك و العداء بين فى أوساط السكان المحليين تجاه اليهود.. يجب ملاحظة أن العرب و اليهود غير الأوروبيين قد أقاموا لمئات السنين فى هذه الأرض فى سلام و تجانس.. و يضاف لهذا السبب سببا آخر و هو ان السياسات الصهيونية كانت مبنية على أساس عدم تشغيل العرب و عدم شراء منتجاتهم.يجب الاشارة الى أن الصهيونية، فى فلسطين، ظلت أقلية لسنوات طويلة، مكونة أساسا من يهود أوروبا الشرقية، و لم ينضم للحركة الصهيونية فى البداية مجمل المؤسسة الدينية، ومعظم يهود وسط و غرب أوروبا، و كل اليهود غير الأوروبين، و الذين كانوا جميعا خارج نطاق تأثير هرتزل و مجموعته و كانوا فى نفس الوقت يشكلون غالبيتنا.. هذه الجماعات اليهودية التى ذكرتها تم تجاهلها بالكامل من قِبَل الصهاينة الأوائل و لم تكن تطلعاتهم تمثل شيئا لهم، و قد استمر هذا حتى تأسيس دولة اسرائيل بعد حرب التحرير سنة 1948-1949…. بعد هذا التاريخ فان الدولة الجديدة أطلقت العنان لحمله دعائية مكثفة لحث يهود السفارديم و اليهود الشرقيين على "الصعود" الى أرض أجدادهم، و كان هذا بالأساس لأسباب ديموجرافية و لاستخدامهم كوقود للحرب — فى سنة 1948 كان ثلث السكان فقط من اليهود و حوالى 6% من الأراضى فى أيدى اليهود — حدث هذا أيضا سنة 1980 و ما تلاها بالنسبة ليهود أثيوبيا. و عموما فان هؤلاء اليهود، من أصول غير أوروبية، حينما أتوا الى اسرائيل عوملوا بطريقة دونية كمواطنين من الدرجة الثانية. و الواقع أن هذه الهيمنة الأوروبية مازالت سائدة فى اسرائيل الحديثة، و كمثال على ذلك فان النشيد القومى الاسرائيلى يتحدث عن حنين يهودى الى صهيون فى اتجاه الشرق، بينما فلسطين تقع فى الغرب بالنسبة لباقى اليهود غير الأوروبيين.. و نقرر هنا انه من المحزن أن هذا قاد كثيرا من جماعات اليهود السفارديم ( غير الأوروبيين) و اليهود الشرقيين الى أن يتحولوا الى الجماعات الشوفينية لجناح اليمين المتطرف و ذلك لاثبات اعتمادهم كمواطنين.
بارتقاء هتلر للحكم فى ألمانيا بدأت الهجرة ( يطلق على الهجرة فى المصطلحات الصهيونية لفظ "الصعود" ) تأخذ منحىََ َ جديدا فقد زادت معدلاتها زيادة ملحوظة، و الحقيقة أن هتلر قد أعلن صراحة تعاطفه مع الصهيونية، كما فعل غيره من اليمينيين المعادين للسامية. و بدأت أعداد المستوطنات فى الزيادة بشكل مطّّرد مما أدى الى انتفاضات فلسطينية طويلة و مريرة ما بين سنتى 1936 و 1939، و قد قامت سلطات الانتداب البريطانية بسحق هذه الانتفاضات، و مع نهاية الحرب العالمية الثانية و اقامة دولة اسرائيل سنة 1948 بدأت الصهيونية فى كسب عقول و قلوب غالبية المجتمع اليهودى. و منذ ذلك التاريخ بدأنا نشهد علامات التلاقى الحاشد المدروس بين اليهودية و الصهيونية لدرجة أننا فى هذه الأيام نلاحظ بوضوح أن اليهودى الذى يجرؤ على نقد دولة اسرائيل، ناهيك عن الصهيونية، يتهم فورا بالخيانة و كره الذات.
فى رأيى، هذا التطور الذى حدث كان أمرا حتميا، واضعين فى الاعتبار الفكرة المسبقة عن دولة خالصة لليهود… فهل يمكننا تصور فرنسا خالصة للفرنسيين؟ أو انجلترا خالصة للانجليز؟ ( الا طبعا اذا كنا منتمون للجبهة القومية أو الجماعات المشابهة) .. ففى عالم مابعد الاستعمار تلك الفكرة غير مقبولة تماما بل و سخيفة.. و الآن كيف يمكن لاسرائيل و غالبية سكانها تبرير ادعاءهم بهذه الدولة و فى نفس الوقت يقتنعوا و يقنعوا غيرهم أن تلك الدولة حديثة و ديموقراطية؟؟ .. و هنا يكون الملجأ الأخير، عندما تسقط كل التبريرات، هو أن الله قد وعد شعبه المختار، الذين هم نحن، بهذه الأرض.. و هذا يطرح سؤالا هاما: أين يوضع اليهودى الملحد من خلال هذا الافتراض؟؟ ..
لقد اكتشفت عبر السنين، و بالخصوص فى الثلاثين سنة الماضية أو نحو ذلك، أن أعداد الشباب الذين يرتدون القبعة اليهودية و يتّبعون، على ألأقل، بعض القوانين الدينية اليهودية، فى ازدياد شديد، و انا أعتقد أن هذا لم يحدث بالمصادفة…
الحقيقة أن المؤسسة الدينية سارت فى نفس الطريق، و بالتأكيد فانها قد استفادت من ذلك. و منذ خمسينيات القرن الماضى فانه حدث تغير ملحوظ، و مخيف فى نفس الوقت، فى أوساط اليهود الأورثوذوكس مما أدى الى تأسيس جماعة "جوش ايمونيم" ( كتلة المؤمنين) ، التى أسسها الحاخام تسفاى ايهودا كوك الأصغر. و هى احدى الجماعات الأصولية التى تعتقد فى وجوب تأسيس دولة اسرائيل و تكافح من أجل جعلها يهودية خالصة… يلاحظ أنه قبل هذا الوقت لم تكن جماعة اليهود الأورثوذوكس تلعب دورا هاما فى الحياة السياسية فى اسرائيل باستثناء الضغط على الحكومات المتعاقبة فى اتجاه اصدار القوانين التى تنبع من الشريعة اليهودية… أما جماعة ناتورى كارتا (عديمى الأرض) الأورثوذوكسية المتطرفة فانها لم تعترف مطلقا بدولة اسرائيل، و أعضاء هذه الجماعة مُعفَون من الخدمة العسكرية..
على الرغم من أن جماعة "جوش ايمونيم" قليلة العدد، الا أن تأثيرها على القرار السياسى كبيرا بدرجة لا تتناسب مع حجمها، و يبدو هذا واضحا فى تلبية الحكومات المتعاقبة لطموحات هذه الجماعة، و يحدث هذا غالبا بطريقة خفية و أحياتا معلنة.
و قد خصصت وحدات خاصة فى الجيش الاسرائيلى لأتباع تلك الجماعة ليتمكن أفرادها من اقامة شعائرهم الدينية و طقوسهم بكل تفاصيلها ( هذا على الرغم من ان كل الوجبات الغذائية، بصفة عامة، التى تقدم فى وحدات الجيش العادية هى وجبات الكوشير اليهودية، و كذلك فان طقوس السبت تنفذ كلما أمكن ذلك)، و من المعلوم عن هذه الجماعة، و هو مسكوت عنه مما يعنى قبوله، أنهم يمتنعون عن اسعاف الجرحى أو حتى نقلهم يوم السبت مالم يكونوا يهودا.
من وجهة نظرى ان سلوك هذا الطريق يمثل خطورة و قصر نظر لأنه يقود فى النهاية الى أصولية دينية تشابه تلك التى لجماعة طالبان فى أفغانستان… يعتقد الأصوليون أن الزمن اليهودى المسيحى قد حل علينا بالفعل، و ان أى معوقات لازالة كل ماهو غير يهودى من الأرض الموعودة لنا، و يشمل هذا ما كان يسمى فلسطين متضمنة الجبل المقدس، هذه المعوقات هى عقاب من الرب لليهود المذنبين، بالتحديد هؤلاء المتغربون و العلمانيون… هذا يُبَرىء تماما، بل و بالتأكيد، يقدس شخص كباروخ جولدشتين الذى قتل 29 فلسطينيا بينما كانوا يؤدون الصلاة فى المسجد الابراهيمى، و يدخل فى نفس النطاق عملية قتل اسحق رابين. و يدخل فى نفس الاطار أيضا حركة حماس التى شجعتها المخابرات الاسرائيلية فى البداية، و لكنها تمثل الآن جنّيا آخر لا يمكن التحكم فيه بعد تحريرة من القنينة* .
الواقع الآن أن الصهيونية قد اكتسبت غطاء العفة و الأحقية بأن تمثل كل اليهود و تتحدث باسمهم، و اعتنقت شعار "مع بلدى فى الحق و الباطل". أما الغرب فانه يقبل من اسرائيل كل الخروقات المستمرة لحقوق الانسان و التى لم تكن لتقبل لو أن أى دولة أخرى قامت بها. و قليل جدا من الدول الغربية أو من اليهود الذى يغامر بالوقوف فى وجه اسرائيل، خصوصا أن الكثير منهم مازال يشعر بعقدة الذنب تجاه المحرقة اليهودية (الهولوكوست) ، و التى استثمرها اليهود الصهاينة داخل و خارج اسرائيل ببراعة.. و أنا أنظر لهذا الموضوع كسلوك دنىء و شائن.. أما فى الولايات المتحدة على وجه الخصوص فان اللوبى الصهيونى مازال قويا بدرجة تجعله محتفظا بأى من اداراتها المتعاقبة مؤيدا للصهيونية بطريقة مطلقة. علاوة على ذلك فان الولايات المتحدة تعتبر اسرائيل حليفا فى حربها ضد دول الشرق الأوسط "المارقة" و التى حلت محل الاتحاد السوفييتى كعدو شيطانى للعالم الحر.
فى النهاية أود أن أقول أنى أخشى أنه مالم يتم التعامل مع اسرائيل بنفس المعايير التى تعامل بها باقى الدول، و حتى يحدث هذا، فان الوضع سيبقى كما هو و ليس من المحتمل أن يتغير… و أنا أرى أن الواجب الأساسى الآن لليهود، الذين مازال لديهم احساس بمنظور العدالة و الضمير، أن يقفوا فى وجه تزييف التاريخ الذى تم بمعرفة اللوبى الصهيونى، و الذى أدى بالغرب الى قبول التداعيات الخطيرة لتلك الأوهام…. * مسألة تأييد المخابرات الاسرائيلية لحماس فى البداية كنوع من شق الصف الفلسطينى، رأى مطروح على الساحة السياسية و فى الأدبيات الاسرائيلية منذ فترة… و قد طرح رأى مشابه لذلك فيما يخص جماعة الاخوان المسلمين عند نشأتها و تأييد سلطات الاحتلال البريطانى لها… و للأسف فان بعض الكتاب العرب قد تبنوا نفس الفكرة.. و أنا لا أستطيع قبول أى من الطرحين على علاته.. و أرى أنه يدخل فى اطار تشويه الجماعات المقاومة بصفة عامة.. ( المدون )
ا……………..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الصهيونية و اليهودية | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يناير 21st, 2009 at 21 يناير 2009 7:11 م
أستاذى الفاضل : أحمد زكى
بعد أن هدأت المعركة التى لم ولن تنتهى .. وبعد أن هدأت النفس قليلا .. لكنها ما زالت
تستنشق غبار المعركة .. لابد لنا أن نجيب على التساؤل الذى طالما سألناه قبل و أثناء
المعركة .. والآن آن لنا أن نجيب .. إنه السؤال المستمر معنا منذ عام النكبة .. ماذا نفعل؟
أو ماذا نستطيع أن نفعل ؟ إزاء هذا الإمتداد السرطانى الذى لن يتوقف إلا إذا إكتملت
أغراضه التوسعية التى قد لا يكون لها حد نهائى .. السؤال صعب جدا .. وإجتهد فيه
المخلصون من أبناء أمتينا العربية والإسلامية عبر سنوات طويلة .. لكنى اعتقد أن
إجتهادتهم للأسف لم نتشربها و لم تمتصها خلايانا كما إمتصت خلايا اليهود ذلك المشروع
الصهيونى الذى لم يبدأ منذ أواسط القرن التاسع عشر فحسب ولكنه كما ورد فى
بروتوكولات حكماء صهيون والتى تفضلت وقدمتها لنا لنعلم أن المسألة ممتدة منذ زمن
بعيد كما ورد أيضا فى جزئية الحية الرمزية التى تفضلت و قدمتها لنا أيضا .. وهنا لابد أن
أقدم تقديرى وشكرى الجزيل لك لأنك أعطيتنا تلك الفرصة للتعلم والتعرف على هذا
الفكر .. وهنا أعتقد أن فى ذلك إجابة ربما تكون ليس على السؤال بالكامل ولكنها تسهم
بقدر محترم فى الإجابة .. فالعلم بكل ما يحيط بالعدو والإلمام بما يدور بفكره ودراسة
سيكولوجيته و أفكار ه الأيدولوجية .. ومحاولة إستقراء سعيه وجهده الحثيث نحو تحقيق
أهدافه .. إنما هو قدر مهم فى أن نجيب على السؤال لكن الأهم أن نستوعب ذلك جيدا
وتمتصه خلايانا كما إمتصته خلاياهم التى تنضح بكم هائل من الكراهية للبشرية جمعاء
وليس لنا فقط .. .. إن أكثر ما لفت نظرى فى هذا الإدراج الهام .. هو ذلك السعى
الحثيث الدؤوب المستمر الذى لم يقف عند شخص واحد بل هى أمة تسعى وتعمل
كقبائل النمل التى تحفر و تنخر تحت الأرض وفوق الأرض فى هدوء ودأب .. ونحن مغيبون
وساهون ولا نستيقظ إلا عندما يفاجأوننا بعمل بشع قوى مثلما فعلوا فى غزة .. و أعتقد
أن مفاجأتهم تلك تكون محسوبة ومدروسة بعناية .. ولذلك فأنا اشعر بالخجل كلما قرأت ما
تقدمه لنا من إجتهادات عظيمة فى هذا المجال .. حيث أننا كجيل وتخيل كم هى الأجيال
من بعد جيلنا وما هو حالهم لا نعى تماما هذا المشروع الرهيب ولا نعرف كثيرا عنه و كيف
بدأ و أين نحن الآن من هذا المشروع وفى اى مرحلة نعيش .. كما لفت نظرى أيضا مع
هذا الدأب هو إصرارهم على إقناع الأغيار كما يقولون بأفكارهم بحيث تصبح بعد فترة
وكأنها حقيقة مطلقة غير قابلة للنقاش .. مثل ما جاء فى هذا الإدراج فى قول بلفور ..
ذلك الذى أعطى ما لا يملكه لمن لا يستحقه فإذا به يتكلم بنفس حماسهم ونفس
الميكافيلية التى أتقنوها و أقنعوا بها غيرهم إما بالإرهاب أو بتبادل المصالح أو الدوى
على ” الودان ” وهذا جزء هام يجب أن نتعلمه .. أعود إلى قول بلفور الذى لفت نظرى : ”
نحن حتى لا نعتزم استشارة السكان الأصليين للبلاد، فالحاجات العاجلة للصهاينة و آمالهم
فى المستقبل أهم بكثير من رغبات و تحيزات ال 700,000 عربى الذين يقطنون فلسطين
الآن”.
شيء مثير للإعجاب للأسف .. متى يمكن لنا أن نتعلم منهم كيف نستطيع التأثير على
الغير بالحديث عن وقائع حدثت بالفعل وليست مزيفة كما يختلقون الكثير من القصص التى
يقنعون بها غبرهم .. متى نستطيع أن نهدم خطوة بخطوة كل ما يستطيعون بناءه حجرا
بحجر فى هذا الصرح الكاذب الذى يحمل الكثير من الإدعاءات و القصص الوهمية ومتى
نستطيع أن نهزم فكرة معاداة السامية التى يرهبون العالم بها .. إن هذا الأمر يحتاج إلى
سعى دؤوب مثل سعيهم .. هذا السعى يجب أن يبدأ بالعلم والمعرفة ولذلك أكرر لك
شكر ى الجزيل على هذا النهج الذى تسعى فيه وتقدم لنا فيه هذه المعلومات القيمة
التى نحتاجها الآن أكثر من اى وقت مضى .. آسفة للإطالة و لكن قبل أن أختم لابد أن
أقول أننى أتفق معك تماما فيما قلته عن سعى الإحتلال فى تشويه المقاومة وذلك فيما
يخص الحديث عن علاقة الإحتلال بحماس .. وكذلك الإحتلال الإنجليزى بالإخوان .. وهو
الأمر الذى يزيد من إكتئابى فى الفترة الماضية لكثرة ما ررده الإعلا م المصرى الغبى
خلال أيام المعركة عن هذا الموضوع ..أستاذى الفاضل أشكرك شكرا جزيلا وبارك الله لك
وغفر لنا تقصيرنا .. مع خالص تقديرى وتحياتى
يناير 22nd, 2009 at 22 يناير 2009 1:00 ص
الاستاذ الفاضل / احمد زكى
تحيه طيبه…..
قرأت تعليقك على مدونتى ( المصراوى افندى ) و اشكر لك كلماتك الجميله و المشجعه .. و لكن بعد تجولى فى مدونتك وجدت اننى امام شىء عبقرى بها الكثير من المعلومات التى يجهلها الكثيرون ..لذا وجب على ان اشكرك و احييك …. ( شكرا جزيلا ) و بالتوفيق دائما…
يناير 22nd, 2009 at 22 يناير 2009 8:06 م
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
دعوة لكى تعرف
كيف يمكنك إضافة فيديو ريال بلاير إلى مدونتك
أتمنى الإستفادة من هذا الموضوع
يناير 28th, 2009 at 28 يناير 2009 8:35 ص
الأستاذة الفاضلة ايناس..
أولا أعتذر عن التأخير فى الرد على تعليقك.. و مرحبا بتعليقاتك الواعية…
الحقيقة انا محتار، و لا أدرى لم نحن على وجه الخصوص لا نتقن عملنا؟،،.. مع ان ديننا يحثنا على الاتقان…
لماذا زعماؤنا على وجه الخصوص لا يقرأون، و اذا قرأو لا يستوعبون، و اذا استوعبوا لا يفعلون؟؟…
هل نحن امة كلام و شعارات بلا أفعال؟؟؟ ..يبدوا أن الاجابة عن هذا السؤال، للأسف، هى نعم!!..
أضم صوتى لصوتك فيما قلتيه.. و أدعو الله، سبحانه و تعالى، أن يعيننا على تغيير ما بأنفسنا، حتى يغير ما بنا..
تحياتى و تقديرى و دمتى بخير..
يناير 28th, 2009 at 28 يناير 2009 8:37 ص
الأستاذ الفاضل نبيل…
مرحبا بك فى زيارتك الأولى لمدونتى و شكرا على تعليقك الكريم…
أرجو أن يستمر تواصلنا على مدوناتنا…
تحياتى و تقديرى و دمت بخير..
يناير 28th, 2009 at 28 يناير 2009 8:39 ص
الأستاذ الفاضل أمير الجزيرة…
مرحبا بك مجددا.. و شكرا على دعوتك الكريمة.. مع رجاء بدوام التواصل..
تحياتى و تقديرى و دمت بخير..
فبراير 1st, 2009 at 1 فبراير 2009 4:37 م
العزيز أحمد
بكل الاهتمام والشغف قرأت حلقتى التاريخ الأساسى للصهيونية و علاقتها باليهودية
سأنتظر بقية الحلقات ..فلا تنسانى فى كريم دعوتك .
تقديرى وشكر ى.